ملا محمد مهدي النراقي
221
جامع السعادات
المقيد ثم يأتي في باب الصبر : إن الصبر قد يكون على الطاعة وعلى المعصية ، وفيهما يتحقق الشكر والصبر ، إذ الشكر - كما عرفت - هو - عرفان النعمة من الله والفرح به ، وصرف النعمة إلى ما هو المقصود منها بالحكمة ، والصبر - كما يأتي - وهو ثبات باعث الدين ، أعني العقل النظري ، في مقابلة باعث الهوى ، أعني القوة الشهوية . ولا ريب في أنه في أداء الطاعة وترك المعصية يتحقق الثبات المذكور ، إذ هو صرف النعمة إلى ما هو المقصود ، إذ باعث الدين إنما خلق لحكمة دفع باعث الهوى ، وقد صرفه إلى مقصود الحكمة . وأنت خبير بأنه وأن تحقق الشكر والصبر في هذه الطاعة وترك هذه المعصية ، إلا أن ما تصبر عليه هو هذه الطاعة وترك هذه المعصية ، إذ الصبر إنما هو عليهما ، وأما الشكر فعلى باعث الدين أعني العقل الباعث لهذه الطاعة وترك هذه المعصية ، فالمشكور عليه هو باعث الدين دون نفس الطاعة وترك المعصية ، فاختلف فيهما الصبر والشكر في المتعلق ، أي ما يصبر عليه وما يشكر عليه ، واتحدا في فعل الصبر والشكر إذ فعل الصبر هو الثبات والمقاومة ، وهو عين الطاعة وترك المعصية ، وفعل الشكر هو صرف النعمة في مقصود الحكمة ، وهو أيضا عين الطاعة وترك المعصية . ويمكن أن يقال : إن من فعل هذه الطاعة ، وترك هذه المعصية عرف كونهما من الله وفرح به ، ويعمل طاعة أخرى شكرا له . وعلى هذا فيتحد متعلقا الشكر والصبر في هذه الطاعة وترك هذه المعصية ، أعني المشكور عليه وما يصبر عليه ، إذ هما نفس هذه الطاعة وترك هذه المعصية بعينها ، ويختلف فعلاهما . إذ فعل الصبر هو هذه الطاعة وترك هذه المعصية ، وفعل الشكر تحميد أو طاعة أخرى . فصل الصحة خير من السقم لا تظنن مما قرع سمعك من فضيلة البلاء وأدائه إلى سعادة الأبد أنه خير من العافية في الدنيا ، بل مع ذلك كله العافية في الدنيا خير من البلاء والمصيبة فيها فإياك أن تسأل من الله البلايا والمصائب في الدنيا ، فإن رسول الله ( ص ) كان يستعذ في دعائه من بلاء الدنيا ومن بلاء الآخرة ، وكان يقول هو